المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدرس الحادي والعشرون: الكفر بالطاغوت


هيئة الإشراف
_10 _January _2014هـ الموافق 10-01-2014م, 07:13 PM
الدرس الحادي والعشرون: الكفر بالطاغوت


قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:


(وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:165].
وأَوَّلُهُمْ نُوحٌ وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيينَ، لاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أبَا أحَدٍ مِنْ رِجَالِكُم وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيينَ﴾ [الأحزاب:40].
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ نُوحاً أَوَّلُ الرُّسُلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:163].
وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا رَسُولاً مِنْ نُوحٍ إِلى مُحَمَّدٍ - عَليْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ - يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:36].
وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ العِبَادِ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (ومَعْنَى الطَّاغُوتِ: مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ، مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ).
وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ:
- إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ.
- وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ.
- وَمَنِ ادَّعَى شَيْئاً مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ.
- وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلى عِبَادَةِ نَفْسِهِ.
- وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ.
وَالدَّليِلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:256].
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وَفي الحَدِيثِ: (( رأْسُ الأَمْرِ الإِسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ )).
وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ).


عناصر الدرس:
- أول الرسل وآخرهم
- الكفر بالطاغوت
- بيان معنى الطاغوت
- شرح تعريف ابن القيّم للطاغوت
- رؤوس الطواغيت
- تفسير قول الله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين..﴾
- معنى العروة الوثقى
- شرح حديث: (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة..)


أول الرسل وآخرهم
قوله: (وأَوَّلُهُمْ نُوحٌ وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيينَ، لاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أبَا أحَدٍ مِنْ رِجَالِكُم وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيينَ﴾.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ نُوحاً أَوَّلُ الرُّسُلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾[النساء:163]).
· أي: أن أول الرسل نوح عليه السلام، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:163]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾[الحديد: 26].
· ويدل لذلك صراحة ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة المسمى بحديث الشفاعة، وفيه أن أهل الموقف يوم القيامة يأتون نوحاً فيقولون: (يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض).
· وآدم عليه السلام كان نبياً مكلماً ولم يكن رسولاً كما دل على ذلك ما رواه ابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات وغيرهم من طريق معاوية بن سلام عن أخيه زيد عن أبي سلام قال: حدثني أبو أمامة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟
قال: (( نعم، معلَّمٌ مُكَلَّمٌ)).قال: كم بينه وبين نوح؟
قال: (( عشرة قرون )). قال: كم كان بين نوح وإبراهيم؟
قال: (( عشرة قرون ))
قالوا: يا رسول الله كم كانت الرسل؟
قال: (( ثلاث مائة وخمسة عشر جماً غفيراً )).
والحديث صححه الحاكم، وقال الذهبي: على شرط مسلم، وصححه الألباني.
· وهذه القرون العشرة كان أهلها على التوحيد حتى نشأ الشرك في قوم نوح عليه السلام كما قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾[البقرة: 213] أي على دين الإسلام ﴿فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾[البقرة: 213] وقال: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ﴾ [يونس: 19].
· قال ابن عباس رضي الله عنهما: (كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين)، قال: (وكذلك هي في قراءة عبد الله: (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا) ) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وقال: على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.
· والحديث صححه الألباني وقال: (فإنه وإن كان موقوفاً رواية؛ فهو مرفوع دراية؛ فإنه في تفسير قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]، وبخاصة أنه من رواية ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وفيه ما يؤكد رفعه، وهو قوله: (وكذلك هي في قراءة عبد الله.. " يعني: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وفيه فائدة هامة؛ وهي أن الناس كانوا في أول عهدهم أمة واحدة على التوحيد الخالص، ثم طرأ عليهم الشرك، خلافاً لقول بعض الفلاسفة والملاحدة؛ أن الأصل فيهم الشرك ثم طرأ عليهم التوحيد!
ويبطل قولَهم هذا الحديثُ وغيرهُ مما هو نصٌّ في نبوة أبيهم آدم عليه السلام،إلى أدلة أخرى كنت ذكرت بعضها في كتابي "تحذير الساجد" (ص 147- 150)، فراجعه فإنه مهم) ا.هـ.
قوله: (وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيينَ، لاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أبَا أحَدٍ مِنْ رِجَالِكُم وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيينَ﴾).
· هذه الآية تدل دلالة صريح على أن نبيناً محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فلا نبيَّ بعده، وقد صح من حديث أنس المتقدم في دروس سابقة أن النبوة والرسالة ختمت بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
· فكل من ادعى النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهو كاذب، ومدَّعي النبوة كافر بالإجماع.

الكفر بالطاغوت
قوله: (وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا رَسُولاً مِنْ نُوحٍ إِلى مُحَمَّدٍ - عَليْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ- يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[النحل: 36].
وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ العِبَادِ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ).
· قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] صريح الدلالة على أن كل أمة قد بعث فيها رسول يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده واجتناب الطاغوت، وأنَّ دعوة الرسل كلهم إلى الإسلام الذي هو إفراد الله تعالى بالعبادة.
· وهذه الرسالة إلى كل أمة، لم تخل منها أمة من الأمم كما دل على العموم قوله: ﴿في كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24]، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾ [يونس: 47].
· والنبي صلى الله عليه وسلم جاءت رسالته إلى الناس جميعاً فرسالته أعم الرسالات.
· وهذا العموم في البعث إلى جميع الأمم لا يعارضه وجود أفراد من تلك الأمم لم تبلغهم الدعوة كما سبق بيانه، وبيان الأدلة على هذه المسائل.
· وأما تحديد عدد هذه الأمم ففيه حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله)). رواه ابن المبارك في الزهد، وعبد الرزاق في تفسيره، وأحمد في فضائل الصحابة، والترمذي وابن ماجة في سننهما، والحاكم في المستدرك، وغيرهم.
- قال ابن حجر في الفتح: (وهو حديث حسن صحيح)، وذكر له شاهداً عن علي في المسند مرفوعاً بسند حسن، وأثراً عن قتادة في تفسير الطبري رجاله ثقات، والحديث حسنه الألباني.

شرح تعريف ابن القيّم للطاغوت
قوله: (قَالَ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (ومَعْنَى الطَّاغُوتِ: مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ، مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ).
· الطاغوت: فَعَلُوتٌ من الطغيان، أصله طَغَوُوت, كما يقال: مَلَكوت، وجبروت, وهذا البناء تستعمله العرب للمبالغة الكبيرة التي لا أبلغ منها.
· والطغيان هو: مجاوزة الحد، يقال: رجل طاغٍ، إذا جاوز حدَّه، وأسرف في الظلم.
· ويقال: رجل طاغية، على سبيل المبالغة، وصفاً لعظيم ظلمه وطغيانه ومجاوزته للحد،
ويقال: طاغوت، على سبيل المبالغة العظيمة أي أنه بلغ الغاية في الطغيان.
· ويطلق لفظ الطاغوت على الواحد والجماعة، وعلى المذكر والمؤنث
· قال الواحدي: (الطاغوت يكون واحداً وجمعاً، ويؤنَّثُ ويذَكَّرُ:
- قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ [النساء: 60]؛ فهذا في الواحد.
- وقال تعالى في الجمع: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم﴾ [البقرة: 257].
- وقال في المؤنَّث: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: 17])ا.هـ.
· التأنيث في قوله تعالى ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: 17] هو للأوثان، وهي جماعة تؤنَّث لفظاً، قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾[الحج: 30].
· والطاغوت يجمع على طواغيت، والطواغي جمع طاغية، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم)).
- والمراد بالطواغي في هذا الحديث الأوثان التي تعبد من دون الله عز وجل.
- وقد بوَّب البخاري في صحيحه باب (لا يُحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت)
· وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان الأنصار قبل أن يسلموا يهلُّون لمناةَ الطاغية التي كانوا يعبدون عند المشلل).
· قال النووي: (ومناة: صَنَمٌ كان نصبه عمرو بن لحيّ في جهة البحر بالمشلَّل ممَّا يلي قديداً).
- والمشلَّل: ثنية مشرفة على قُدَيدِ، وهو شمال جدة قريب من عسفان.
· وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(( لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة)). وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية).
- قوله: (وذو الخلصة طاغية دوس...) هذا مدرج من كلام أبي هريرة رضي الله عنه.
· وفي هذا دليل على أن الشرك سيعود في هذه الأمة، وقد جاء بيان توقيت ذلك في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يذهب الليل والنهار حتى تُعْبدَ اللات والعزى)).
فقالت عائشة: (يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله:﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[الفتح: 28]أن ذلك تاماً.
قال: (( إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبة، فتوفَّى كلَّ مَن في قلبه مثقالُ حبة خَرْدل من إيمان؛ فيبقى من لا خير فيه؛ فيرجعون إلى دين آبائهم )).
· وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبدُ شيئاً فليتبعه؛ فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت )).
· وهذا الاتباع يكون إلى نار جهنم والعياذ بالله؛ فإن هذه الطواغيت وكذلك الشمس والقمر يؤمر بها فتلقى في نار جهنم هي ومن يتبعها، ويلقون في النار إلقاءً عنيفاً شديداً كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98].
- الحصَبُ: هو ما يُحصَب به، أي يحذف ويُرمى، ومنه سميت الحصباء لأنها حجارة يُحصب بها، ويقال: حَصَبته بحصاة، إذا حذفته بها.
- والحَصَبُ: هو الشيء الذي يُحصَب به من حجارة أو غيرها؛ فجعل الله تعالى المشركين وما يعبدون من الطواغيت حَصَبَ جهنم، والعياذ بالله.
- قال ابن جرير: (معناه أنهم تقذف جهنم بهم، ويرمى بهم فيها).
· والمقصود أن أكثر ما يطلق لفظ الطاغوت في نصوص الكتاب والسنة على ما يُعبد من دون الله عز وجل.
· قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾[الزمر: 17].
· وقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾[البقرة: 256].
· قال ابن وهب: قال لي مالك: (الطاغوت: ما يعبدون من دون الله).
· وقد نقل عن السلف عبارات في تفسير الطاغوت لا تخالف ما سبق تقريره لكنها إما لبيان أصل الطاغوت، أو التنبيه على بعض أنواعه.
- فروي عن عمر بن الخطاب ومجاهد والشعبي: أن الطاغوت هو الشيطان.
- وروي عن محمد بن سيرين أن الطاغوت هو الساحر، وهي إحدى الروايتين عن أبي العالية الرياحي، وهذا بيان لنوع من أنواع الطواغيت.
- وروي عن سعيد بن جبير أن الطاغوت هو الكاهن، وهي الرواية الأخرى عن أبي العالية الرياحي، وهذا بيان لنوع من أنواع الطواغيت.
· قال ابن جرير: (والصواب من القول عندي في"الطاغوت"، أنه كل ذي طغيان على الله، فعُبِدَ من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، وإنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء)ا.هـ.
· وهذا يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: 17]؛ ففسر اجتناب الطاغوت في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾[النحل: 36] باجتناب عبادتها، فدل على أن الطاغوت هو ما يُعبد من دون الله عز وجل، مهما كان نوع تلك العبادة، فقد تكون دعاء وذبحاً ونذراً، وقد تكون تحاكماً والتجاءً، وقد تكون طاعة في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله.
· وأنت إذا تأملت هذه الأمور وجدت جامعَها عبادة الشيطان، ولذلك قال ابن كثير بعد ما أورد أثر عمر بن الخطاب في تفسير الطاغوت بأنه الشيطان: (ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها)ا.هـ.
· وبيان ذلك: أن عبادة الأصنام هي في حقيقة الأمر عبادة للشيطان، وكذلك التحاكم إلى الكهان هو تحاكم إلى الشياطين؛ لأن الكهان إنما يتلقفون أباطيلهم من الشياطين.
· قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61) ﴾[يس: 60، 61].
· وابن القيم رحمه الله تأمَّل هذه الأقوال والمعاني التي تجمعها، وأشهر الطواغيت التي عبدت من دون الله عز وجل، وأنواع عبادتها؛ فحاول أن يوجد تعريفاً جامعاً مانعاً فقال ما نقله الشيخ هنا: (والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع)
· وهذا من كلامه في إعلام الموقعين، وقال في شرحه: (فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله؛ فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم ممن أعرض عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة وهم الصحابة ومن تبعهم ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد معا)ا.هـ.

قوله: (الطاغوت هو ما تجاوز به العبد حده من معبود)
· عبَّر بهذا التعبير ليُخْرِجَ مَن عُبد من دون الله عز وجلَّ وهو غير راضٍ، كما عُبدت الملائكة وعُبدَ المسيح ابن مريم، وعُبد عُزير، وغيرهم من الصالحين، حتى إن اللات قيل: إنه رجل صالح كان يَلُتُّ السويق للحجاج يُطعمهم؛ فلمَّا مات نُصِبَ له صنمٌ، وعُبد من دون الله عز وجل، وهؤلاء الصالحين ليسوا بطواغيت.
· وعند التحقيق نجد أنه لا حاجة إلى هذا الاحتراز في التعريف لأن اللبس فيه مأمون، وهؤلاء الصالحين قد عُبدوا ظلماً وزوراً لم يدعوا لعبادة أنفسهم، وإنما اتخذهم المشركون طواغيت، كما اتخذوهم آلهة وأرباباً، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].
· فاتخاذهم أرباباً وآلهة هو في معنى اتخاذهم طواغيت، وإلا فهم ليسوا بأرباب ولا آلهة ولا طواغيت.
· وإنما وقعت المخاصمة في هؤلاء من كفار قريش لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98]، فإنهم خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى إذ عبدته النصارى مخاصمة بالباطل.
· جعل الله تعالى هذه المسألة فتنة للمشركين هي من مزيد إقامة الحجة عليهم فإنها دعتهم للتفكر في ما بلَّغهم الرسول صلى الله عليه وسلم من آيات ربهم وعرفوا معانيها فقامت عليهم الحجة ولكنهم لم يؤمنوا بها ولم يستجيبوا لها ولم يحذروا مما أنذرهم الله عز وجل من العذاب الشديد في نار جهنم، بل قابلوا ذلك بالمجادلة بالباطل ظلماً وطغياناً وعناداً واستكباراً، ليغرَّ بعضهم بعضاً بما استحسنوه من زخرف القول.
· ولو أنهم تفكروا في أنفسهم لعرفوا أن الله تعالى لا يكون في كلامه خطأ ولا قصور، ولا يكون في حكمه ظلم ولا جهل، لكنهم انصرفوا عما أمروا به من توحيد الله عز وجل إلى مخاصمة الله ورسوله واستمرؤوا المحادَّة والمشاقَّة وفي هذا من سوء الأدب مع الله عز وجل ومع رسوله ما يستحقون عليه العذاب الشديد، وقد جعل الله هذا الأمر فتنة لهم ليظهر ما في نفوسهم من الكِبْرِ والطغيان.
· روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98].
قال عبد الله بن الزِّبَعْرَي: أنا أخصم لكم محمداً.
فقال: يا محمد أليس فيما أنزل عليك: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾[الأنبياء: 98] ؟
قال: (( نعم )).
قال: فهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيراً، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة؛ فهؤلاء في النار؟
فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾[الأنبياء: 11]).
· ورواه الطحاوي في مشكل الآثار بزيادة، وفيها أنه قال: فضجَّ أهل مكةَ؛ فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى﴾ عيسى وعزير والملائكة ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
قال: ونزلت ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾[الزخرف: 57] وهو الضَّجيج).
· (يصِدون) بكسر الصاد أي يضجّون، قال الله تعالى:﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35].
· قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾[الزخرف: 57، 58].
· الذي ضرب هذا المثل هو عبد الله بن الزبعرى كما تقدَّم؛ فضجَّ أهل مكة فرحاً بهذا المثل، وقالوا: إذا كان عيسى ليس في النار؛ فآلهتنا خير منه.
· ﴿أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ استفهام إنكاري جوابه المتقرر عندهم أن آلهتهم خير منه، حتى إنهم قدموا ذكر آلهتهم وأخروا ذكره ورمزوا له بالضمير تقليلاً من شأنه.
· ونسب الضرب إليهم جميعاً فقال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ﴾ لأنهم وافقوه على قوله، وإن كان الضارب واحداً في الأصل، لكن لمَّا فرحوا بضرب هذا المثل نسب إليهم جميعاً.
· وقول الله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ دليل على أنهم يعلمون أنهم مبطلون لا حجة لهم، وإنما أرادوا الجدال والمخاصمة.
· قال جماعة من أهل العلم باللغة والتفسير: قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] (ما) هي لغير العاقل، فالآية لا تشمل هؤلاء الصالحين بدلالة اللفظ أصلاً؛ لأن العرب تخبر عن غير العاقل بـ (ما) فيكون المراد بقوله: بما يعبدون من دون الله الأوثان من الأصنام والأحجار والأشجار؛ وأما هؤلاء الصالحين فيخبر عنهم (بمن) وليس بـ(ما).
· ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم﴾ [الأنبياء: 11] ولم يقل لها، وقال في الأوثان: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾[الزمر: 17].
· فليس قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى...﴾ [الأنبياء: 11] الآية استثناء من الآية التي قبلها، وإنما هو تقرير لحكم هؤلاء الصالحين الذين سبقت لهم الحسنى من الله تعالى أنهم مبعدون عن نار جهنم لا يسمعون حسيسها، وأنهم آمنون يوم القيامة من الفزعٍ الأكبر الذي لا أكبر منه، وفي هذا تهديد لهؤلاء المشركين وإنذار وتخويف بأنهم إن لم يكفروا بالطاغوت ويؤمنوا بالله كانوا من المعذبين بذلك الفزع الأكبر وأنهم وما يعبدون من دون الله حصب جهنم، والعياذ بالله.
وقول ابن القيم: (أو متبوع أو مطاع)
· الاتباع والطاعة في معصية الله عز وجل على درجتين:
- الدرجة الأولى: تكون فيما يخرج من الملة كاتباع الطواغيت في عبادة غير الله عز وجل بصرف شيء من العبادات لهم أو اتباعهم على تحليل الحرام وتحريم الحلال أو غير ذلك من نواقض الإسلام؛ فهؤلاء المتبوعون والمطاعون إما أن يكونوا هم المعبودين أو دعاة لهم وكلهم طواغيت بهذا المعنى.
- الدرجة الثانية: الطاعة والاتباع في معصية الله تعالى بما لا يخرج عن دين الإسلام، كأن يكون داعية إلى بدعة عظيمة أو حاكماً كثير الظلم والطغيان فهؤلاء أطلق عليهم بعض السلف أنهم طواغيت وإن لم يحكم بخروجهم من الملة؛ فاستعملوا المعنى اللغوي للفظ الطاغوت، وهو الطغيان الكبير.
· قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والمطاع فى معصية الله، والمطاع فى اتباع غير الهدى ودين الحق سواء كان مقبولاً خبره المخالف لكتاب الله أو مطاعاً أمره المخالف لأمر الله هو طاغوت، ولهذا سُمِّيَ من تحوكم إليه من حاكم بغير كتاب الله طاغوتاً)ا.هـ.
· وقال بعض أهل العلم: الطاغوت هو كلُّ رأس في الضلالة.
· ويجمع هذا كله: أن الطاغوت كل مُعظَّمٍ أو متعظِّم بالباطل يُطغى بسببه.

رؤوس الطواغيت
قوله: (وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنِ ادَّعَى شَيْئاً مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ).
· هذا من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد اختصره هنا، وبسطه في موضع آخر.
· قال رحمه الله: (اعلم رحمك الله تعالى أنّ أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، والدليل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾[النحل: 36].
فأمّا صفة الكفر بالطاغوت أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفِّر أهلها وتعاديهم.
وأمّا معنى الإيمان بالله أن تعتقد أنّ الله هو الإله المعبود وحده دون سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله، وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص وتواليهم، وتبغض أهل الشرك وتعاديهم، وهذه ملّة إبراهيم التي سَفِهَ نفسَه مَن رغب عنها.
وهذه هي الأسوة التي أخبر الله بها في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاؤاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾[الممتحنة: 4].
والطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت.
والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة:
الأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾[يس: 60].
الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾[النساء: 60].
الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[المائدة: 44].
الرابع: الذي يدّعي علم الغيب من دون الله، والدليل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) ﴾ [الجن: 26]، وقال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾[الأنعام: 59].
الخامس: الذي يعبد من دون الله وهو راض بالعبادة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 29].
واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنا بالله إلا بالكفر بالطاغوت، والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[البقرة: 256]) ا. هـ.
· والفرق بين الثاني والثالث هنا، أن الثاني هو الحاكم المتسلط على الناس المغير لأحكام الله، والثالث يأتي إليه الناس إن رغبوا في حكمه، وكلاهما حاكم بغير ما أنزل الله.
· وقول الشيخ: (ورؤوسهم خمسة) لا يقتضي حصر الطواغيت في هذه الأصناف الخمسة، بل هؤلاء أشهرهم وأكثرهم شراً وطغياناً.
· وقد اختلف تقريره رحمه الله في عدّ هذه الخمسة اختلافاً يسيراً.
· والمقصود أن يفهم الطالب معنى الطاغوت في اللغة، والمراد به في نصوص الكتاب والسنة.

تفسير قول الله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين..﴾
قوله: (وَالدَّليِلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وَفي الحَدِيثِ: (( رأْسُ الأَمْرِ الإِسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ)) ).
· قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ في الدِّينِ﴾أي إنَّ الدين لا إكراه فيه على أحد، فلا يستطيع أحد من الخلق أن يجبر أحداً على دينٍ لا يرتضيه؛ لأن الله تعالى لم يجعل للمخلوقين سلطاناً على القلوب.
· وقد يسَّر الله الدين تيسيراً عظيماً: فمن اختار الإيمان فلا يستطيع أن يمنعه منه أحد من الخلق بإكراه على الكفر، لأن الدخول في الدين أصله الاعتقاد والقول ولو بالإسرار والإخفاء وهذا أمر لا سلطان لأحد من الخلق على منعه والإكراه عليه.
· وأما من اختار الكفر على الإيمان فهو كافر، وإن كان مستضعفاً في الظاهر.
· ولذلك فإن المستضعفين الذين قصَّ الله خبرهم في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[سبأ: 31-33].
· فهؤلاء المستضعفون قد جاءهم الهدى وعرفوه ولم يؤمنوا به، بل اختاروا طاعة الطواغيت المستكبرين اختياراً قلبياً منهم، وإلا فإن هؤلاء الطواغيت لا سلطان لهم على قلوب المستضعفين، ولا يستطيعون أن يكرهوهم على اختيار الكفر.
· ولو أن هؤلاء المستضعفين آمنوا بقلوبهم لجعل الله لهم مخرجاً ولأعزهم ونصرهم، ولكنهم اختاروا الكفر إرضاء للطواغيت فاستحقوا العذاب، ولذلك قال لهم المستكبرون باستنكار: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾[سبأ: 32]؟ فإنه لا سلطان لهم على قلوب المستضعفين يصدونهم به عن قبول الهدى.
· وقال الله تعالى لنبيّه:﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]، وهذا استفهام إنكاري، أي لا تستطيع أن تكره الناس على الإيمان.
· فمن تمام عدل الله عز وجل أن جعل الاختيار بين الكفر والإيمان لا إكراه لأحد فيه.
· إذا تبيَّن هذا فقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] يشمل معاني لا تعارض بينها:
- المعنى الأول: أنه لا يقع إكراه من مخلوق لمخلوق على الدين، كما سبق بيانه.
- المعنى الثاني: أنها خبر بمعنى النهي أي: لا يجوز أن يُكره أحدٌ بتهديد بضرب أو قتل أو حبس أو نحوه على الدخول في دين الإسلام.
وهذا الإكراه إنما هو فعل ما يستطيعه المُكْرِه من التهديد والتعذيب؛ فإذا هدَّد أو عذَّب حتى يوافقه المُكرَه ظاهراً فهو مُكْرِه، فنُهِيَ عن هذا، وهو لا يقتضي الإكراه على الاختيار القلبي، لأن المُكْرَه قد يوافق ظاهراً ويخالف باطناً.
وهذا لا يعارضه قتال الكفار وإقامة الحد على المرتد فإن الكفار يقاتلون على منعهم تبليغ الدعوة وتمكين المؤمنين من الأرض ليحكموا فيها بما أنزل الله ويحطّموا ما أمر الله بتحطيمه من الطواغيت التي تعبد من دون الله عز وجل؛ فمن دافع عن هذه الطواغيت وقاتل في سبيلها استحق القتال، وليس قتاله على أن يكره على أن يدخل في دين الإسلام كرهاً.
وكذلك المرتد يقتل تنفيذاً لحكم الله عز وجل فيه.
- المعنى الثالث: ﴿لا إِكْرَاهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] أي لا يجوز للمؤمنين أن يكره بعضهم بعضاً على أي أمر من الأمور، فمعنى لا إكراه في الدين أي لا يجوز الإكراه في دين الإسلام؛ لأن الإكراه إضرار، والإضرار محرم.
- وقد روى ابن أبي شيبة عن حنش بن الحارث النخعي عن أبيه أنه قدم المدينة مع قومه فأمرهم عمر بالمسير إلى العراق مدداً للمسلمين في القادسية؛ فقالوا: لا بل نسير إلى الشام، فقال عمر: لا بل إلى العراق فإني قد رضيتها لكم، فجادلوه حتى قال بعضهم: (يا أمير المؤمنين لا إكراه في الدين).
· قوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ أي إن طريق الرشد والصواب والخير قد تبيَّن بياناً لا لبس فيه، وكذلك طريق الغي والشر والفساد.
· ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ أي يكفر بما يُعبد من دون الله، ويقوم بما يقتضيه واجب الكفر من البراءة من الكفر وأهله.
· ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ أي يوحد الله عز وجل ويسلم وجهه وقلبه له.

معنى العروة الوثقى
· ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾،العروة هي ما يُسْتَمْسَكُ به لطلب النجاة.
· وأصل هذا اللفظ أن الدلو توثق بعروة تمسكها؛ فإذا أُلْقِيت الدلو في البئر وامتلأت ماءً جذبها المستسقي بحبل قد ربطه في عروة الدلو فإن كانت تلك العروة وثيقة جيدة والحبل جيداً استخرج الدلو، وإن كانت العروة غير وثيقة انفصمت العروة فسقط الدلو.
· قال امرؤ القيس:
كالدلو ثبت عُرَاها وهي موقرة ... إذ خانها وذَم منها وتكريب



- الكَرَبُ: حبل يشدُّ به وسط العراقي، والعراقي: خشبتان متقاطعتان على شكل صليب يوضع على فم الدلو، ويكون طرف كل خشبة في أذن من آذان الدلو الأربعة.
- والوذم سيور تربط آذان الدلو بالعراقي، واحدتها: وَذَمَة.
- فالعروة اسم لهذه الأجزاء التي تتكون منها، وهي التي تمسك الدلو.
· يقال: عروة وثيقة، إذا كانت قوية مأمونة؛ فتجمع بين القوة والأمان بحيث يوثق بها ويُطمئَنُّ إليها، ويقال: عروة أوثق من عروة؛ على التفاضل في صفتي القوة والأمان، والعروة الوُثقى هي التي بلغت الغاية في القوة والأمان فلا أوثق منها.
· فإذا كانت العروة وثقى، والاستمساك جيداً نجا المستمسك بهذه العروة من الهلاك.
· فهذه العروة الوثقى التي وصفها الله عز وجل بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ [البقرة: 256] هي أوثق أسباب النجاة وأفضلها وأجلها, بل لا أفضل منها، ولا ينجو العبد بغيرها، وهي أن يؤمن بالله عز وجل ويكفر بالطاغوت.
· وهذا كما يقال: الطريقة المثلى، أي التي لا أمثل منها، ولا أحسن.
· فالله تعالى يريد أن يقطع على الناس البحث عن أسباب نجاة أخرى؛ فإذا علم العبد أن هذا السبب هو أعظم الأسباب وأنفع الأسباب لم يلتفت قلبه إلى غيره.
· ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾، لفظ الاستمساك فيه بناء لغوي أقوى دلالة من المَسْكِ, لأنه يجمع معاني قوة التمسك والحرص والمداومة عليه.
· فما دام العبد مستمسكاً بهذه العروة؛ فالله تعالى ضامن له ألا تنفصم، وألا تنقطع به دون بلوغ ما يأمل من النجاة والفوز الكبير.
· قوله: ﴿لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ تأكيد على أن هذه العروة لا تنفصم أبداً، ولا تتقطع أجزاؤها، وفي هذا ضمان عظيم لمن استمسك بهذه العروة الوثقى ألا يُخذل من جهتها أبداً.
· قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: 22] دلَّ بمنطوقه على أن كل من جعل مع الله إلها آخر فهو مذموم مخذول، ودل بمفهومه على أن من وحَّد الله تعالى فلا يكون مذموماً ولا مخذولاً؛ فسبيل النجاة من الذم والخذلان هو توحيد الله عز وجل.
· وإنما يقع العبد في شيء من الذم والخذلان إذا ضعف تحقيقه للتوحيد، فأما إذا أشرك بالله جل وعلا فقد أحاط به الذم والخذلان والخسران من كل جانب، والعياذ بالله.
· ومن حقق التوحيد فلا يخاف من الذم ولا الخذلان؛ لأن هذه العروة التي استمسك بها عروة وثقى قد ضمن الله تعالى لمن استمسك بها أن لا تنفصم به.
· فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ [البقرة: 256] بيان لمعنى تحقيق الاستمساك بالعروة الوثقى، لأن حرف (قد) يفيد التحقيق.
· ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع مجيب لدعاء من يدعوه مخلصاً له الدين، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبهم من التوحيد والإسلام، وهذا يقتضي عنايته جل وعلا بعباده، وأنه لا يخفى عليه شيء من أمرهم.
· فانظر كيف اقتلعت هذه الآية جذور الخوف من الخذلان والهلاك من قلوب أولياء الله المؤمنين الموحدين فاطمأنَّت قلوبهم بذكر الله ومعرفته والإيمان به ﴿ألا بذكر الله تطمئنُّ القلوب﴾ [الرعد: 28].
قوله: (وَهَذَا هُوَ مَعْنَى (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) ).
· أي: أن قوله تعالى: ﴿فمَنْ يَكفُر بالطَّاغُوتِ ويُؤمِن بالله فقَدِ اسْتَمْسَك بِالعُروَة الوُثْقَى﴾ [البقرة: 256] يدل على معنى لا إله إلا الله؛ لأن الكفر بالطاغوت يعني نفي جميع ما يعبد من دون الله عز وجل والكفر به وإنكاره، والإيمان بالله يتضمن عبادته وحده لا شريك له.
· فالذي لا يخلص العبادة لله لا يكون مؤمناً بالله جل وعلا، والذي لا يكفر بالطاغوت لا يكون نافياً جميع ما يعبد من دون الله، ولا مخلصاً العبادة لله تعالى.
· وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس: (( آمركم بالإيمان بالله وحده))؛ فالإيمان بالله وحده يقتضي الإيمان به والكفر بالطاغوت وهو جميع ما يعبد من دون الله عز وجل.
· وهذه مسألة أهمّ المسائل، وقد كررها الشيخ هنا لأهميتها، ولو لم يخرج الطالب من دراسته لهذا المتن إلا بفقه هذه المسألة لكان في ذلك خير كثير؛ فاعتن بها جيداً.
· فإن تفسير التوحيد لا بد فيه من جمع أمرين:
- الأمر الأول: نفي جميع ما يعبد من دون الله عز وجل.
- الأمر الثاني: إفراد الله تعالى بالعبادة.
· فـ(لا إله) نفي لجميع ما يعبد، (إلا الله) إثبات العبادة لله وحده؛ فهو معنى قوله تعالى: ﴿فمَنْ يَكفُر بالطَّاغُوتِ ويُؤمِن بالله فقَدِ اسْتَمْسَك بِالعُروَة الوُثْقَى﴾ [البقرة: 256]،وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]،وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: 26، 27]،وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) ﴾ [الكافرون: 1-3]، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ﴾ [ص: 65]،وقوله: ﴿إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[النساء: 171].
· وهو أيضا معنى قوله تعالى: ﴿قل هُوَ اللهُ أحَدٌ (1) اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 1، 2].
- ﴿هُوَ اللهُ﴾ أسلوب حصر في لسان العرب.
- ﴿أحَدٌ﴾ أي فرد متفرد لا شريك له ولا إله معه.
- ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ أي الذي يُصمد إليه فيدعى لقضاء الحوائج وجلب النفع ودفع الضر.
- ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ رد على اليهود والنصارى وبعض مشركي العرب؛ فأما اليهود والنصارى فقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]، ومنهم من زعم أن المسيح ابن الله، ومنهم من زعم أن عزير ابن الله، وزعم بعض مشركي العرب أن الملائكة بنات الله
تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
- ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4] أي ليس له نظير يكافئه ولا صاحبة له.
· وفي صحيح البخاري من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قال الله: كذَّبني ابنُ آدمَ ولم يكن له ذلك، وشَتَمَني ولم يكن له ذلك:أمَّا تكذيبه إيَّاي فقوله لن يعيدَني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إيَّاي فقوله اتخذ الله ولداً، وأنا الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن لي كفوا أحد))
· وفي مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة من حديث مالك بن مغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو وهو يقول: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)؛ فقال: (( والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى)) )؛ فكان هذا الاسم الأعظم متضمناً للتوحيد.
· ولذلك يجب على طالب العلم أن يحذر من قبول التفسيرات الخاطئة لكلمة التوحيد، وأكثر الأخطاء شيوعاً في تفسيرها:
- 1: قصر معناها على توحيد الربوبية أو بعض معاني الربوبية، كمن يزعم أن معناها لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله ونحو ذلك من معاني الربوبية.
- 2: قصر معناها على بعض معاني توحيد الأسماء والصفات كمن يقول معناها أنه واحد في ذاته لا قسيم له وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له.
- 3: دعوى أن معناها مسألة خلافية ولا ينبني عليها التفريق بين الكفر والإيمان.
- وهذه التفسيرات الخاطئة قد يجدها طالب العلم لدى بعض أهل الفرق الضالة، وبعض من يلبس الحق بالباطل ليضل الناس بغير علم، كما كان يفعله بعض علماء السوء الذين ضل بسببهم كثير من الناس فكانوا يلبسون الحق بالباطل ويأكلون فريقاً من أموال الناس بالإثم وهم يعلمون، ويدلسون على الناس، ويسارعون إلى طاعة الحكام المبدلين لشرع الله فيطيعونهم في تبديل الدين وتغيير أحكام الله، ويلبسون على الناس ويوهمونهم أن هذا هو الدين الصحيح؛ نسأل الله تعالى السلامة والعافية.

شرح حديث: (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة..)
قوله: (وَفي الحَدِيثِ: (( رأْسُ الأَمْرِ الإِسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ)) ).
· هذا جزء من حديث معاذ بن جبل وقد سبق ذكره في درس الإحسان، والحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم.
· و(الأمر) واحد الأمور، وهو من أكثر الألفاظ العامة استعمالاً في لسان العرب، بل إنه يعبر به عن أي شأن.
· والمرء من شأنه أنه يأتمر في نفسه أموراً، أي يجعل لنفسه أموراً وشؤوناً يهمُّ بها ويسعى لها، كما قال امرؤ القيس: ويعدو على المرء ما يأتمر
- أي: ما يهمُّ به من الأمور؛ فربما كان هلاكه في تدبيره لأموره.
· وقوله: (رأس الأمر)في معناه قولان لأهل العلم:
- القول الأول: ما ذهب إليه بعض الشراح من أن المراد بالأمر هنا ما بعث الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وأن رأس ذلك الأمر الإسلام؛ فهو كمثل الشيء الذي له جذع ورأس فيكون الرأس هو الإسلام، وهذا التفسير لا يصح لأن كل ما بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم فهو من الإسلام.
- القول الثاني: أن رأس الأمر هو أصله ومعظمه؛ فإذا ذهب ذهب الأمر كله، كما يقال: رأس المال؛ فمن ذهب رأس ماله؛ بقي مفلساً لا مال له، وهذا القول أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وقال به ابن عاشور.
- وهذا ظاهر في الأمور المعنوية التي تضاف إلى الرأس كما يقال: رأس الحكمة مخافة الله؛ أي أصلها ومعظمها؛ ورأس العلم خشية الله.
· ويطلق لفظ الرأس على معانٍ في لسان العرب يدل عليها السياق والاستعمال بالإفراد والتركيب؛ فيقال: رأس الحبل، أي طرفه، ورأس الجبل أعلاه، وعصا لها رأسان أي شعبتان، ورأس الحول آخرُه، قال الرياحي:
وماذا يدَّري الشعراء مني ... وقد جاوزت رأس الأربعين

أخو خمسين مكتمل أشدي ... وحنَّكني مداورة الشؤون



· فإطلاق لفظ الرأس في قوله (رأس الأمر) ليس نظيراً لإطلاقه في رأس الحيوان، ولا هو بمعنى الطَرَف، ولا آخرَ الشيء، وإنما هو أصله ومعظمه.
· والمقصود أن قوله صلى الله عليه وسلم: (( رأس الأمر الإسلام)) أي أن أصل أمر الإنسان وما خلق من أجله هو الإسلام؛ فإذا ذهب إسلام المرء ذهب أمره كله، وأصبح على غير شيء، فسائر أموره إذا لم يسلم لا اعتبار لها، ولا تنفعه عند الله.
· وهذا كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[المائدة: 68]؛ فهؤلاء ليسوا على شيء لأنهم ضيعوا رأس الأمر وهو الإسلام، وقال تعالى في الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾[الفرقان: 23].
· ولذلك قال سفيان بن عيينة رحمه الله: (ما في القرآن آيةٌ أشدّ عليَّ من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: 68]) علَّقه البخاري في صحيحه.
· وقال المخبَّل السَّعدي: إني رأيت الأمر أرشَدُه ... تقوى الإله وشَرُّه الإثم
· أي: ما يأتمره الإنسان في نفسه ويهم به ويسعى له، أرشده تقوى الإله، وشرُّه الإثم.
· فكون أرشد الأمر تقوى الله، هو من هذا الباب فإن ما خالف التقوى فليس فيه رشد.

قوله صلى الله عليه وسلم: (( وعموده الصلاة ))
· أي هي عمود الإسلام فلا يقوم إسلام امرئ إلا إذا أقام عموده وهو الصلاة.
· وشأن الصلاة عظيم؛ فلا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وإذا سقط العمود سقط ما اعتمد عليه، وهذا يبين لك أن شعائر الإسلام معتمدة على الصلاة فإذا صلحت الصلاة صلحت أعمال العبد، وإذا فسدت فسدت عليه أعماله، فلا ينتفع بزكاة ولا صيام ولا حج ولا غيره؛ إذ كانت الصلة بينه وبين الله منقطعة بتضييعه للصلاة.
· ولذلك كان أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من أعماله الصلاة.
· قال حريث بن قبيصة رحمه الله: قدمت المدينة فقلت: (اللهم يسر لي جليسا صالحا)؛ قال: فجلست إلى أبي هريرة؛ فقلت: إني سألت الله أن يرزقني جليسا صالحا فحدثني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله أن ينفعني به؛ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته؛ فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر؛ فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك)). رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني.
· وروى الإمام مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عماله - أي الذين يستعملهم على أمور المسلمين ويوليهم عليها -: (إن أهمَّ أمركم عندي الصلاة؛ فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع).

قوله صلى الله عليه وسلم: (( وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله))
· ذروة سنامه؛ أي أعلاه وأشرفه، وهو مظهر عزّه وقوته وزينته.
· وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض؛ فإذا سألتم الله فسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّر أنهار الجنة)).
تتمّة شرح حديث معاذ
· تضمَّن هذا الحديث على وجازته بيان ما يكون للإنسان به شأن عند الله تعالى، وهو الإسلام.
· وهذا الإسلام له عمود وهو الصلاة من أداها حفظ دينه، ومن ضيعها ضيع أمره، وفي الصلاة صلاح نفسه، والجهاد فيه السعي لإصلاح غيره، وهذا شأن المسلم الذي أحسن إسلامه أنه يُصْلِح نفسه ويسعى لإصلاح غيره.
- فالصلاة تنبيه على ما يصلح العبد من الأعمال، والجهاد على ما يصلح غيره.

قوله: (وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ).
· ردَّ العلم إلى عالمه اعترافاً بأن ما يعلمه العبد إنما هو بما علّمه الله، وختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أدعى للقبول، والله تعالى أعلم.

اللهُمَّ تقبَّل مِنَّا إنَّك أنْتَ السَّميعُ العَلِيمُواغْفِر لَنا وارْحَمْنَا إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

اللهُمَّ أدخِلْنَا فِي رَحْمَةٍ مِنْكَ وفَضْلٍ واهْدِنا إلَيكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً وارْزقنا مِن لَدُنكَ رِزقاً كَرِيماً

وَعَافِنَا واعْفُ عَنَّا إنَّكَ أنتَ العَفُوُّ الحلِيمُ.

تم أصل هذا الكتاب وهو شرح ثلاثة الأصول وأدلتها في 25 شعبان 1432 هـ

ثمّ راجعته وهذّبته ليكون دليلاً للمعلّم في 11 ذي القعدة 1434هـ